وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ التَّكْوينَ لَوْ كَانَ حادِثًا لَا يَخْلُوْ إِمَّا أَنْ كَانَ حادِثًا بِتَكْوينِ اللهِ تَعَالَى إيَّاهُ ، أَوْ بِدُوْنِ التَّكْوِيْنِ . إِنْ قَالَ بِلْأَوَّلِ فَنَقُولُ : ذَلِكَ التَّكْوِيْنُ قَدِيمٌ أَمْ حادِثٌ ؟ إِنْ قُلْتَ : قَدِيمٌ ، فَهُوَ الَّذِي نَدَّعِيهِ ، وإِنْ قُلْتَ : حادِثٌ . فَالسُّؤَالُ يَعُودُ إلَى أَنْ يَتَسَلْسَلَ وَإِنْ قَالَ بِدُوْنِ التَّكْوِيْنِ فَنَقُولُ : إِذَا جَازَ حُدوثُ حادِثٍ بِدُوْنِ التَّكْوِيْنِ جَازَ أَيْضاً حُدوثُ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ . وَفِيه تَعْطِيلُ الصَّانِعِ .
وَلِأَنَّ التَّكْوِيْنَ لَوْ كَانَ حادِثًا لَا يَخْلُوْ إِمَّا أَنْ حَدَثَ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا ذَهَبَتْ إِلَيه الْكَرَّامِيَّةُ . وَهَذَا فَاسِدٌ ، لِمَا فِيه مِنْ جَعْلِ الْقَدِيمِ مَحَلاًّ لِلْحَوَادِثِ ، وَإِمَّا أَنْ حَدَثَ لَا فِي مَحَلٍّ . كَمَا ذَهَبَ إِلَيْه ابْنُ الرَّاوَنْدِي وَبِشْرُ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، وَهُوَ مَحَالٌ ، لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الصِّفَةِ لَا فِي مَحَلٍّ. وَلِأَنَّ التَّكْوِيْنَ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِمَحَلٍّ لَمْ يَكُنِ اتِّصَافُ ذَاتٍ بِهِ أَولَى مِنَ اتِّصَافِ ذَاتٍ آخَرَ .وإِمَّا أَنْ حَدَثَ فِي ذَاتٍ آخَرَ ، كَمَا قَالَ أَبُو الهُذَيْلِ : إِنَّ تَكْوِينَ كُلِّ جِسْمٍ قَائِمٍ بِذَلِكَ الْجِسْمِ ، فَيَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ خَالِقًا وَمُكَوِّنًا لِنَفْسِه . وَفِيْه تَعْطِيلُ الصَّانِعِ . عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلاَمَ لَا يَصِحُّ فِي الْأَعْرَاضِ لِمَا أَنَّ قِيَامَ الشَّيْءِ بِالْعَرَضِ مَحَالٌ .
وَلِأَنَّ التَّكْوِيْنَ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُكَوَّنُ أَوْ قَائِمًا بِهِ لَكَانَ وُجُودُ الْمُكَوَّنِ بِنَفْسِه . واسْتَغْنَى فِي وُجُودِهِ عَنْ غَيْرِه . فَيَكُونُ قَدِيمًا . والْخَصْمُ إِنَّمَا امْتَنَعَ عَنِ الْقَوْلِ بِقِدَمِ التَّكْوِيْنِ تَحَرُّزًا عَنِ الْقَوْلِ بِقِدَمِ الْمُكَوَّنَاتِ . وَقَدْ وَقَعَ فِيمَا تَحَرَّزَ عَنْه مَعَ رُكوبِ هَذَا الْمَحَالِ . وَلِأَنَّ السَّوادَ لَمَّا كَانَ مُكَوَّنًا . وَهُوَ بِعَيْنِهِ تَكْوِينٌ عِنْدَكُمْ . فَكُلُّ ذَاتٍ قَامَ بِهِ السَّوادُ قَامَ بِهِ التَّكْوِيْنُ لَا مَحَالَةَ . ضَرُورَةَ اتِّحَادِهِمَا . فَإِذَا وَصَفْتَ الذَّاتَ بِأَنَّه أَسْوَدُ . لِقِيَامِ السَّوادِ بِهِ . لَزِمَكَ أَنْ تَصِفَهُ بِأَنَّه مُكَوِّنٌ . لِقِيَامِ التَّكْوِيْنِ بِهِ . وَإِذَا لَمْ تَصِفِ اللهَ تَعَالَى بِأَنَّه أَسْوَدُ . بِأَنَّ السَّوادَ لَمْ يَقُمْ بِهِ . لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَصِفَهُ بِأَنَّه مُكَوِّنٌ لِأَنَّ التَّكْوِيْنَ لَمْ يَقُمْ بِهِ . هَذَا كَالْخَبْرِ . مَتَى كَانَ صِدْقًا فَكُلُّ ذَاتٍ قَامَ بِهِ الْخَبَرُ كَانَ مُخْبِرًا صَادِقًا . وَكُلُّ ذَاتٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْخَبَرُ لَمْ يَكُنْ مُخْبِرًا وَلَا صَادِقًا . ضَرُورَةَ اتِّحَادِهِمَا .